سميرة مختار الليثي
235
جهاد الشيعه في العصر العباسي الأول
والاستمرار في النّضال ، ولكنّه ألقى خطبة يائسة سمح فيها لجنده بالتّفرق والنّجاة بأنفسهم فخطب : « يا أيّها النّاس ، إنّا قد جمعناكم للقتال وأخذنا المناقب ، وإنّ هذا العدوّ منكم قريب ، وهو في عدد كثير ، والنّصر من اللّه ، والأمر بيده ، وإنّه قد بدا إليّ أن آذن لكم وأخرج عنكم المناقب ، فمن أحبّ أن يقيم أقام ، ومن أحبّ أن يظعن ظعن » « 1 » . لم يحكم محمّد النّفس الزّكيّة خطته الحربيّة ، فكان جديرا به أن ينظم طريقة الانسحاب إذا كانت نتيجة القتال في غير صالحه . وكان الطّريق الطّبيعي للإنسحاب هو الطّريق إلى مكّة ، فكان عليه أن يؤمّنه . وقد أدرك القائد العبّاسيّ عيسى بن موسى هذه الحقيقة ، فرأى أن يسبق محمّدا النّفس الزّكيّة في السّيطرة على طريق مكّة ، فأصدر أوامره لأحد قواده فقال : جاءتني العيون تخبرني أنّ هذا الرّجل - أي النّفس الزّكيّة - في ضعف ، وأنا أخاف أن ينكشف ، وقد ظننت ألّا مسلك له إلّا إلى مكّة ، فأضم إليك خمسمئة رجل فأمض بها معاندا عن الطّريق حتّى تأتي الشّجرة فنقيم بها « 2 » . وتحالفت العوامل الطّبيعيّة مع الجيش العبّاسيّ وتخلت عن جيش محمّد النّفس الزّكيّة فقد هطلت الأمطار مدرارا ، ممّا جعل مهمّة جند النّفس الزّكيّة عسيرة قال محمّد لأخته قبيل المعركة الفاصلة : « إنّي في هذا اليوم على قتال القوم ، فأن زالت الشّمس ، وأمطرت السّماء فإني أقتل ، وإن زالت الشّمس ولم تمطر السّماء ، وهبّت الرّيح ، فإني أضفر بالقوم » « 3 » . وبعد سقوط الأمطار أمر
--> ( 1 ) انظر ، ابن جرير ، تأريخ الطّبري : 6 / 208 . ( 2 ) انظر ، ابن جرير ، تأريخ الطّبري : 6 / 209 . ( 3 ) انظر ، الإصفهاني ، مقاتل الطّالبيّين : 271 .